لقد بلغت كلفة حروب الإرهاب الأميركية حتى الآن الملايين من البشر فضلاً عن مظاهر الدمار الشاملة، التي لم تصب الحجر والبنى التحتية فحسب وإنما بنية ومكونات المجتمعات نفسها، حيث جرى تفكيكها، وعكس مسار تطورها التاريخي، في عملية ارتكاس أعادت إنتاج صراعات أهلية ذات أبعاد مذهبية وطائفية وعرقية لا تنتهي. هذا من غير أن ننسى استهداف المخزون الثقافي والحضاري لهذه الشعوب.
لا شك أن الإرهاب الأميركي هو أصل كل إرهاب في العالم، وقد حولت إدارة "بوش" الولايات المتحدة إلى خطر يتهدد العالم بأسره على كل الصعد والمستويات. ولو جرى اليوم استطلاع عالمي للرأي لظهرت الولايات المتحدة كأكثر دولة مكروهة في العالم.
إن الإخفاق الذي منيت به الحرب على العراق وتطور حالة المقاومة فيه والامتعاض الإقليمي والدولي من نتائج هذه الحرب، وفشل ما يسمى "الحرب على الإرهاب" خصوصاً في أفغانستان إلى تسجيل عودة قوية لحركة طالبان واعتراف بدورها والسعي لعقد تسويات معها، وكذلك الفشل الذريع للحرب الأميركية على المقاومة في لبنان وفلسطين بأدوات إسرائيلية، أدت إلى تآكل الهيبة الأميركية دوليا وإلى تراجع استراتيجي في قدرة الولايات المتحدة على الفعل أو خوض المغامرات الجديدة.
إلا أن ما تقدم لا يعني بأن الولايات المتحدة ستخلي الساحة بسهولة بل ستقوم بكل ما يلزم من أجل حماية ما تسميه "مصالحها الإستراتيجية"، ذلك لأن سياسات الهيمنة الأميركية تنهض على اعتبارات إيديولوجية ومشاريع فكرية تغذيها اتجاهات متطرفة متحالفة مع مركب صناعي – عسكري لا حدود لجشعه وأطماعه.
ثانياً: منطقتنا والمشروع الأميركي
إذا كان العالم المستضعَف بأسره يرزح تحت نير هذه الهيمنة الاستكبارية، فإن عالمنا العربي والإسلامي يناله منها القسط الأوفر والأثقل، لدواعي تاريخه وحضارته وموارده وموقعه الجغرافي.
إن عالمنا العربي والإسلامي هو منذ قرون عرضة لحروب استعمارية وحشية لا تنتهي، إلا أن مراحلها الأكثر تقدماً بدأت مع زرع الكيان الصهيوني في المنطقة، ومن ضمن مشروع تفتيتها إلى كيانات متصارعة ومتنابذة تحت عناوين شتى. ولقد بلغت ذروة هذه المرحلة الاستعمارية مع وراثة الولايات المتحدة للاستعمار القديم في المنطقة.
يتمثل الهدف المركزي الأبرز للاستكبار الأميركي بالسيطرة على الشعوب بكل أشكالها: السياسية والاقتصادية والثقافية ونهب ثرواتها ويأتي في الطليعة نهب الثروة النفطية بما هي أداة رئيسة للتحكم بروح الاقتصاد العالمي، وبكل الأساليب التي لا تلتزم أي ضوابط أو معايير أخلاقية أو إنسانية، بما فيها استخدام القوة العسكرية المفرِطة، مباشرة أو بالواسطة.
وقد اعتمدت أميركا لتحقيق هدفها سياسات عامةً وإستراتيجيات عمل، أبرزها:
1- توفير كل سبل ضمان الاستقرار للكيان الصهيوني، بما هو قاعدة متقدمة ونقطة ارتكاز للمشروع الأميركي الاستعماري والتفتيتي للمنطقة، ودعم هذا الكيان بكل عوامل القوة والاستمرار، وتوفير شبكة أمان لوجوده، ما يؤهله للعب دور الغدة السرطانية التي تستنزف قدرات الأمة وطاقاتها وتبعثر إمكاناتها وتشتت آمالها وتطلعاتها.